سيد محمد طنطاوي

104

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

ولا سيما الصلاة في جماعة . قال صاحب الكشاف : أمرت بالصلاة بذكر القنوت والسجود لكونهما من هيئة الصلاة وأركانها ثم قيل لها * ( وارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ ) * بمعنى ولتكن صلاتك مع المصلين أي في الجماعة ، أو انظمى نفسك في جملة المصلين وكوني معهم في عدادهم ولا تكوني في عداد غيرهم « 1 » . فأنت ترى في هاتين الآيتين أسمى ألوان المدح والتكريم والتهذيب لمريم البتول ، فلقد أخبر - سبحانه - باصطفائها صغيرة وكبيرة ، وبطهرها من كل سوء ، والإشارة إلى الطهر هنا إشارة ذات مغزى ، وذلك لما لا بس مولد عيسى - عليه السّلام - من خوارق ، هذه الخوارق جعلت اليهود يفترون الكذب على مريم ، ويتهمونها زورا وبهتانا بما هي بريئة منه ، ثم بعد ذلك يأمرها - سبحانه - بمداومة الطاعة والعبادة والخضوع اللَّه رب العالمين . وبذلك يتبين لكل ذي عقل سليم أن الإسلام الذي جاء به محمد صلَّى اللَّه عليه وسلَّم هو الدين الحق ، لأنه قد قال القول الحق في شأن مريم وابنها عيسى - عليه السّلام - أما أهل الكتاب من اليهود والنصارى فقد اختلفوا في شأنهما اختلافا عظيما أدى بهم إلى الضلال والخسران . ثم بين - سبحانه - أن ما جاء به القرآن في شأن مريم - بل وفي كل شأن من الشؤون - هو الحق الذي لا يحوم حوله باطل ، وهو من أنباء الغيب التي لا يعلمها أحد سواه فقال - تعالى : * ( ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيه إِلَيْكَ ) * . واسم الإشارة * ( ذلِكَ ) * يعود إلى ما تقدم الحديث عنه من قصة امرأة عمران وقصة زكريا وغير ذلك من الأخبار البديعة . والأنباء : جمع نبأ ، وهو الخبر العظيم الشأن . والغيب : مصدر غاب ، وهو الأمر المغيب المستور الذي لا يعلم إلا من قبل اللَّه - تعالى - . ونوحيه : من الإيحاء وهو إلقاء المعنى إلى الغير على وجه خفى ، ويكون بمعنى إرسال الملك إلى الأنبياء وبمعنى الإلهام . أي : ذلك القصص الحكيم الذي قصصناه عليك يا محمد ، فيما يتعلق بما قالته امرأة عمران وما قاله زكريا ، وما قالته الملائكة لمريم وفيما يتعلق بغير ذلك من شؤون ذلك القصص الحكيم هو من أنباء الغيب التي لا يعلمها أحد سوى اللَّه - عز وجل - وقد أخبرناك بها لتكون دليلا على صدقك فيما تبلغه عن ربك ولتكون عبرة وذكرى لقوم يعقلون .

--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 1 ص 362 .